المقريزي
390
إمتاع الأسماع
استغناؤه عنها وهذه أشد ونحو منه قول الآخر : وإذا ما رفعت رايتها * صفقت بين جناحي جبرين وقول الآخر من أهل العصر : فر من الخلد واستجار * بنا فصبر الله قلب رضوان كقول حسان المصيصي من شعراء الأندلس في محمد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبي بكر بن زيدون : كأن أبا بكر أبو بكر الرضي * وحسان حسان وأنت محمد إلى أمثال هذا وإنما أكثرنا بشاهدها مع استثقالنا حكايتها ، لتعرف أمثلتها ، ولتساهل كثير من الناس في ولوج هذا الباب الضنك ، واستخفافهم فادح في هذا العبء وقلة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر وكلامهم فيه بما ليس لهم به علم ، ( وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) ( 1 ) ، لا سيما الشعراء ، وأشدهم فيه تصريحا ، وللسانه تسريحا ، ابن هانئ الأندلسي ( 2 ) وأبي سليمان المغربي ، بل قد خرج كثير من كلامهم إلى حد الاستخفاف ، والنقص ، وصريح الكفر . قال : فإن هذه كلها ، وإن لم تتضمن سبا ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصا ولست أعني عجزي بيتي المعري ، ولا قصد قائلها إزراء وغضبا ، فما وقر النبوة ، ولا عظم الرسالة ، ولا عزر حرمة الاصطفاء ، ولا عزر حظوة الكرامة ، حتى شبه من شبه في كرامة نالها ، أو معرة قصد الانتفاء منها ، أو ضرب مثل لتطييب مجلسه ، أو إغلاء في وصف لتحسن كلامه بمن عظم الله تعالى خطره ، وشرف قدره ، وألزم توقيره وبره ، ونهى عن جهر القول له ، ورفع الصوت عنده ، فحق هذا إن دري عنه القتل ، والأدب والسجن ، وقوة تعزيره ، بحسب شنعة مقاله ، ومقتضى قبح ما نطق به ، ومألوف عادته لمثله ، أو ندوره ، وقرينة كلامه ، أو ندمه على ما سبق منه ، ولم يزل المتقدمين ينكرون
--> ( 1 ) النور : 15 . ( 2 ) هو أبو نواس .